محمد بن علي الشوكاني
523
البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع
فحفظ القرآن ثم ارتحل إلى صنعاء لطلب العلم فقرأ على جماعة من علمائها منهم السيد العلامة محمد بن عبد الرحمن الكبسيّ والسيد العلامة عليّ بن حسن الكبسيّ والسيد العلامة الحسن بن محمد الأخفش والقاضي العلامة محسن بن أحمد العابد وجماعة كثيرة ، وبرع في علم الفقه والفرائض فحقّق الأزهار وشرحه لابن مفتاح وحواشيه وبيان ابن مظفّر والبحر الزخّار ، ومختصر الفرائض للعصيفري وشرحه للناظري وشرح الخالدي وعلم الضرب والمساحة ، وقرأ في كتب الحديث الشفاء للأمير حسين والشمائل للتّرمذيّ ، ومن كتب التفسير الثمرات للفقيه يوسف وشرح الآيات للنّجري وفي النحو الملحة وبعض شروحها والحاجبية وشرحها للسيد المفتي ، وفي الأصول الكافل لابن بهران وشرحه لابن لقمان وغير هذه المسموعات مما لا يحضرني الآن ، وما زال يدأب في تحصيل العلم مفارقا لأهله ووطنه ومغتربا عنهما أياما طويلة ودرّس وأفتى في صنعاء في أواخر أيام طلبه . وولّاه الإمام المهديّ العبّاس بن الحسين القضاء بالجهات الخولانية خولان صنعاء ثم اعتذر عنه فولّاه القضاء بصنعاء المحروسة واستقرّ بها هو وأهله وما ترك الطلب في أيام توليته للقضاء ولا رغب عن التدريس للطلبة بل كان يقرئ في مسجد صلاح الدين وفي مسجد الأبزر في الفقه وفي الجامع الكبير في الفرائض في شهر رمضان ، وكان رحمه اللّه محمود السيرة والسيرة متعفّفا قانعا باليسير طارحا للتكلف منجمعا عن الناس مشتغلا بخاصّة نفسه صابرا على نوائب الزمن وحوادث الدهر ، مع كثرة ما يطرقه من ذلك محافظا على أمور دينه مواظبا على الطاعة مؤثرا للفقراء بما يفضل عن كفايته غير متصنّع في كلامه ولا في ملبسه لا يبالي بأي ثوب برز للناس ولا في أي هيئة لقيهم . وكان [ 75 أ ] سليم الصدر لا يعتريه غلّ ولا حقد ولا سخط ولا حسد ، ولا يذكر أحدا بسوء كائنا من كان محسنا إلى أهله قائما بما يحتاجونه متعبا نفسه في ذلك صابرا محتسبا لما كان يجري عليه من بعض القضاة الذين لهم كلمة مقبولة وصولة مع كونه مظلوما في جميع ما يناله من المحن ونوائب الزمن . والحاصل أنه على نمط السلف الصالح في جميع أحواله ولقد كان - تغشّاه اللّه برحمته ورضوانه - من عجائب الزمن ،